الواحدي النيسابوري
357
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
بها ، و « الغرفة » : المرّة الواحدة ؛ وهي مصدر . و « الغرفة » - بالضم « 1 » - الشّىء المغترف والماء المغروف . وقوله : فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ قال المفسّرون : قال لهم طالوت : من شرب من النّهر وأكثر فقد عصى اللّه وخالف أمره ، وتعرّض لعقابه ؛ ومن اغترف غرفة أقنعته ؛ فهجموا « 2 » على النّهر بعد عطش شديد أضرّ بهم ، فوقع أكثرهم في النّهر ، وأكثروا الشّرب ؛ وأطاع قوم قليل عددهم ، فلم يزيدوا على الاغتراف ؛ فأمّا من اغترف قوى قلبه ، وصحّ إيمانه ، وعبر النّهر سالما ، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه ودوابّه ؛ والذين شربوا وخالفوا أمر اللّه اسودّت شفاههم ، وغلبهم العطش ، فلم يرووا « 3 » وبقوا على شطّ النّهر ، وجبنوا عن لقاء العدوّ « 4 » ، ولم يشهدوا الفتح . وتلك الغرفة لم تكن ملء الكفّ ، ولكنّ المراد ب « الغرفة » : أن تغترف مرّة واحدة بقربة أو جرّة ، وما أشبه ذلك ، تكفيه وتكفى دابّته ؛ وهؤلاء القليل الذين لزموا الاغتراف : كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ؛ لأن النبىّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال لأصحابه يوم بدر : « أنتم اليوم على عدّة أصحاب طالوت حين عبروا النّهر ، وما جاز معه إلا مؤمن » . قال البراء بن عازب : وكنّا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا « 5 » . وقوله : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ : جاوز النّهر طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قال ابن عباس والسّدىّ : يعنى هؤلاء الذين شربوا وخالفوا أمر اللّه عزّ وجلّ ؛ وكانوا أهل شكّ ونفاق ، انصرفوا عن طالوت ، ولم يشهدوا قتال جالوت .
--> ( 1 ) في ( تفسير الكشاف 1 : 276 ) « قرئ « غرفة » بالفتح بمعنى المصدر ، وبالضم بمعنى المغروف » . ( 2 ) حاشية ج : « هجم ، أي : وقع على وجهه » . ( 3 ) ب : « فلم يرووا به » . ( 4 ) أ ، ب : « عند لقاء عدوهم » . ( 5 ) كما في ( صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب عدة أصحاب بدر 3 : 4 ) وتفسير ابن كثير 1 : 446 ) .